ما قبل سنّ اليأس

تقلّبات في الإستروجين تؤثر في الجسد والنفس

د. شارون ليشيم ود. هيلا راجا نيكسون

تلتقي الدكتورة شارون ليشيم، الطبيبة النسائية والمستشارة لسنّ اليأس، في عيادتها بنساء فاعلات، نشيطات، وقياديات. ثم، من دون حدث دراماتيكي واضح، يبدأ شيء ما بالتغيّر. يصبح النوم أقلّ استقرارًا، والمزاج أقلّ توازنًا، وتفاجئهنّ الدورة الشهرية بتغيّرات غير معتادة.
وتقول: "هذا ليس حكمًا لا يمكن تغييره، لكن من المهم أن نفهم ما الذي يحدث في الجسم."

ماذا يحدث هرمونيًا في هذه المرحلة؟

توضح الدكتورة هيلا راجا نيكسون، المختصّة في طبّ العائلة والمستشارة لسنّ اليأس، أن مرحلة ما قبل سنّ اليأس، أو البيري-مينوبوز، هي مرحلة تصبح فيها وظيفة المبيضين غير منتظمة. فلا يحدث التبويض في كل دورة شهرية، كما تتبدّل مستويات الإستروجين والبروجسترون وفق نمط أقلّ توقّعًا.

ومن المهم فهم أن الأمر لا يتمثّل في انخفاض خطّي ومستمر في مستوى الإستروجين، بل في مرحلة من التقلّبات. ففي بعض الأحيان تكون مستويات الإستروجين أعلى من المعتاد، وفي أحيان أخرى تنخفض بشكل حاد. هذا الاضطراب لا يؤثر فقط على الرحم والدورة الشهرية، بل ينعكس أيضًا على أجهزة عديدة في الجسم.

وعندما لا يحدث تبويض، لا ترتفع مستويات البروجسترون كما هو معتاد، ما قد يؤدي إلى حالة من عدم التوازن بين الإستروجين والبروجسترون. وقد يظهر ذلك من خلال تغيّرات في النزيف، وظهور أعراض متلازمة ما قبل الحيض، والشعور العام بعدم الاستقرار.

العلاقة بين الإستروجين والجهاز العصبي

الإستروجين هو هرمون ذو تأثيرات متعددة على أجهزة الجسم. فإلى جانب تأثيره في الجهاز التناسلي، فإنه يعمل أيضًا في الدماغ، ويؤثر بشكل مباشر على مناطق في الجهاز العصبي مسؤولة عن التنظيم العاطفي، والنوم، ودرجة حرارة الجسم، والوظائف الإدراكية.

كما يؤثر الإستروجين في نشاط نواقل عصبية مثل السيروتونين والدوبامين، وهي مواد مرتبطة بتنظيم المزاج، والدافعية، والشعور بالرفاه. وعندما تتغيّر مستويات الإستروجين بسرعة، يتغيّر معها النشاط الكيميائي العصبي أيضًا.

وهذا أحد الأسباب التي قد تجعل النساء يعانين في هذه المرحلة من تقلّبات عاطفية، وزيادة في الحساسية، وتراجع في مستوى الصبر، أو شعور بضغط نفسي متزايد. ولا يتعلّق الأمر فقط بردّ فعل على الظروف الخارجية، بل هو أيضًا استجابة فسيولوجية من الجهاز العصبي للتغيّر الهرموني.

إضافة إلى ذلك، يشارك الإستروجين في تنظيم مركز الحرارة في الدماغ. ولهذا، فإن التقلّبات في مستوياته قد تؤثر في آليات تنظيم الحرارة، وتساهم في الشعور بعدم الارتياح، حتى قبل ظهور الهبّات الساخنة المميّزة لسنّ اليأس نفسه.

كما تتأثر جودة النوم أيضًا. فعدم الاستقرار الهرموني قد يؤثر في مراحل النوم العميق وفي استمراريته، مما يؤدي إلى تعب متراكم يزيد بدوره من حدّة التقلّبات العاطفية.

ليس الأمر مجرد دورة شهرية غير منتظمة

لذلك، لا تقتصر مرحلة ما قبل سنّ اليأس على دورة شهرية غير منتظمة فقط. فقد تشمل أيضًا اضطرابات في النوم، وتسارعًا في نبضات القلب، ودوخة، وحساسية عاطفية، وتغيّرات في الإحساس بالسيطرة على الجسد.
وتؤكّد الدكتورة راجا نيكسون أن كثيرات لا يربطن هذه الأعراض بالمرحلة الهرمونية. فغالبًا ما تُنسب هذه الأعراض إلى الضغط، أو الإرهاق، أو التقدّم في السن. لكن عندما تظهر تغيّرات في الدورة الشهرية بالتوازي مع أعراض تؤثر في أجهزة أخرى في الجسم، فهناك ما يستدعي التقييم الطبي.

ما الذي يمكن فعله؟

توضح الدكتورة ليشيم أن هذه مرحلة طبيعية، لكن لا حاجة إلى القبول بتراجع جودة الحياة خلالها. فالفحص الطبي قد يساعد في فهم ما إذا كانت الأعراض مرتبطة بتقلّبات هرمونية، وفي بحث إمكانيات العلاج المتاحة.

في بعض الحالات، يمكن التفكير في علاج هرموني أو في استخدام حبوب مركّبة تهدف إلى تثبيت مستويات الهرمونات. وفي حالات أخرى، يكون التركيز على تحسين النوم، والنشاط البدني الملائم، والتغذية، وإدارة التوتر.

وتضيف مرغليت شيلاه، رئيسة منظومة الطبّ المكمّل وتعزيز الصحة، أن أدوات مثل العلاجات باللمس، والوخز بالإبر، وتمارين التنفّس، واليقظة الذهنية (مايندفولنس)، يمكن أن تدعم توازن الجهاز العصبي خلال فترة التقلّبات هذه.

لا تبقي وحدكِ مع هذه التغيّرات

عندما تشعرين بتغيّرات تؤثر في أدائك اليومي، من المهم التوجّه إلى الطبيب أو الطبيبة والتحدّث عمّا يزعجك.

فالنساء اللواتي يحصلن على شرح فسيولوجي واضح، وعلى مرافقة علاجية ملائمة، يصفن كثيرًا شعورًا متجدّدًا بالسيطرة، وتحسّنًا ملحوظًا في جودة الحياة.

ما قبل سنّ اليأس مرحلة بيولوجية معقّدة، لكنها مفهومة. وفهم العلاقة بين الإستروجين والجهاز العصبي يتيح النظر إلى الأعراض في سياقها الصحيح، والتعامل معها بوعي، لا من منطلق الارتباك أو الشعور بالذنب.

نظن أنك قد تكون مهتم